Thursday, April 19, 2012

ثورة مصر: بين العفوية والتنظيم


كتب : أحمد عزت 
نشر هذا المقال فى مجلة جدلية بتاريخ 1 / 4 / 2012
 يرى البعض أن العنصر الذي حسم مسألة إسقاط مبارك وإجباره على التخلي عن الحكم هو اندفاع الجماهير الشعبية مدفوعة بضيق العيش ومصاعب إجتماعية شتى في مظاهرات مليونية، ومواجهات عنيفة مع قوات الشرطة ، أدت إلى فقدان النظام الحاكم جزءً كبيراً من اتزانه، وبالتالي اضطرار الطبقة الحاكمة إلى التخلي عن مبارك بوصفه أحد وكلائها. ولا يرى هذا الإتجاه أهمية لمسألة التنظيم، سواء أخذ شكل الحزب أو الحركة أو غيرها من الأشكال التنظيمية المتعارف عليها. بل أنه يرى فيها أحياناً معطلاً للعملية الثورية، وعائقاً أمام عفوية الجماهير القادرة وحدها على إسقاط النظام .
 فى حين يرى البعض الآخر أن النضال الذى خاضته بعض المجموعات السياسية والتنظيمات والجبهات المطالبة بالديمقراطية والمدونين وغيرهم ضد نظام مبارك على مدار العقد الأخير هو الذى حسم مسألة إسقاط رأس النظام بما أدى إليه من ازدياد الوعي بضرورة التغيير كحل أساسي للأزمات التي يُعانى منها المصريون ، وبالتالي اتساع دائرة الرافضين لاستمرار مبارك في الحكم وصولاً لذُروة هذه العملية في 25 يناير وما بعده .
أحياناً يتم طرح هذين التصورين في مواجهة بعضهما البعض، بين من يرون في القوى والمجموعات السياسية المنظمة كيانات انتهازية تسعى فقط للركوب على حركة الجماهير من أجل تحقيق أهداف ذاتية، ومن يرون في اندفاع الحركة الجماهيرية وعفويتها خطراً قد يهدد بالفوضى إذا لم يتم ضبطه والسيطرة عليه وفق أهداف سياسية واضحة، وكلا التصورين يعتوره الكثير من القصور .
فعملية تحول الجماهير من نقطة الثبات والرضا بالواقع الظالم الذي تعيشه إلى نقطة التمرد والانقلاب عليه، ثم العودة ثانية إلى النقطة الأولى بعد الحصول على بعض المكتسبات أو الانتصار الشامل أو الهزيمة الشاملة لا تحدث بشكل قدري، بل هى نتاج لتطورات عسيرة. منها ما يتعلق بطبيعة القوى المنظمة في المجتمع، وتلاقي رسالة بعض هذه القوى مع أحلام وطموحات الجموع الغفيرة أو على الأقل قطاعات منها. ومنها ما يتعلق بجهاز الدولة ذاته في لحظة معينة، ومدى استعداد الحركة الثورية للاستيلاء عليه وتجفيف منابع قوة النظام، وغيرها الكثير من الأطراف في هذه المعادلة التى لا يصح أن نتعامل معها كما لو أننا نتعامل مع معادلات الكيمياء.
فالجماهير الغفيرة ليست شيئاً واحداً، مثلما هو الحال أيضاً بالنسبة للقوى السياسية المنظمة. بل إن هذه الجماهير تنقسم إلى طبقات وهذا لا يعني أيضاً أن مصالح كل طبقة من هذه الطبقات واحدة. بل داخل كل طبقة منها شرائح مختلفة ومتصارعة وهو ما ينعكس على وعيها وثقافتها، ومن ثم استعدادها للثورة على النظام ومواجهة آلة قمعه. على سبيل المثال فإن العام السابق لبداية الثورة (عام 2010) شهد موجة عارمة من الإضرابات العمالية التى رفعت مطالب اقتصادية في مواجهة سياسات السوق الحر، التى أدت إلى إنهيار مستوى معيشة الملايين من العمال. إلا أن هؤلاء العمال الذين خاضوا تلك الإضرابات لم يشاركوا بنفس القوة والتنظيم في مليونيات يناير 2011 التى أسقطت مبارك. كما لم يشاركوا في كل الاعتصامات منذ يناير وحتى مظاهرات مذبحة بورسعيد. وهذا لا يعنى أنهم كانوا ضد الثورة، أو أن الثورة وما رفعته من شعارات لم تكن تعبر عن مطالبهم وطموحاتهم، بقدر ما يعني ضعف الصلة والتفاعل بين هذه القطاعات العمالية وبين المجموعات السياسية أو ( الشبابية ) سمها كما تشاء، والتى أطلقت مبادرة 25 يناير أو تلك التى حملت الراية في النضالات اللاحقة. 
الأمر ذاته ينطبق على القوى السياسية التى شاركت في بداية الثورة ووقفت خلف متاريسها، فمن أقصاها يساراً وثورية إلى أكثرها محافظة وإصلاحية من القوى التي شاركت في معارك الثورة الحاسمة مثل جمعة الغضب 28 يناير ومعركة الجمل 2 فبراير. إلا أن الأمر لم يتوقف هنا، بل جاء اليوم الذى رفع فيه البعض الأحذية في وجه منصة الأخوان المسلمين وهو يوم 25 يناير 2012 إحتجاجاً على اختيارهم المهادنة مع السطة الحالية ومحاولتهم جعل ذلك اليوم يوماً احتفالياً بمرور عام على الثورة في ميدان التحرير، وهو الميدان الذى شهد قبلها بعام واحد بالتمام والكمال الأخوان والشيوعيين والليبراليين والناصريين وغيرهم ملتفين "بالجماهير الغفيرة" وهم يهتفون جميعاً "الشعب يريد إسقاط النظام"!
ومن الشواهد الأكثر وضوحاً في هذا السياق، الاعتصامات التى تلت إسقاط مبارك. فمثلاً إعتصام 8 يوليو الذى بدأ بمليونية طالبت بالإسراع في محاكمات قتلة الشهداء، واستمر عدة أسابيع محافظاً على قوته، إلا أن الإحباط والإنهاك أصاب المعتصمين في النهاية فبدأوا بترك الميدان يوماً تلو الآخر. ثم قررت بعض المجموعات الانسحاب، وقرر البعض الآخر الاستمرار حتى تم فض الاعتصام بالقوة . وخلال الاعتصام ذاته لم تنجح المجموعات، سواء الراديكالية أو الإصلاحية، في تطوير الاعتصام وتقويته إلى مرحلة يستطيع معها انتزاع مطالب حقيقية تؤدي إلى زيادة ثقة القطاعات الأوسع من "الجماهير الغفيرة" في آليات النضال التى تشبه التظاهر والاعتصام وغيرها. بل إن هذه المجموعات، خاصة تلك التى قبضت على جمر هذا الاعتصام حتى آخر لحظة، غرقت في تفاصيل مواجهة المخبرين وعملاء الأمن وتأمين الاعتصام وإعاشة المعتصمين وهو ما أعاقها عن تحويل هذا الاعتصام إلى قوة ضاربة في حائط ديكتاتورية العسكر، وهو ما تكرر في أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء ومذبحة بورسعيد، حيث تبدأ المظاهرات أو الاعتصامات قوية جداً ثم تضعف بالتدريج داخل الميدان الذى لا يسمح لأحد بالسيطرة عليه أو قيادته. وعلى الرغم من كون هذا أحد نقاط قوة ميدان التحرير الذى يرفض السلطوية، إلا أنه في ذات الوقت نقطة ضعف يتسلل من خلالها العسكر وحلفاؤهم في كل مرة لإفشال الفاعلية وتصفيتها تدريجياً من خلال الضغط الإعلامى ودس عناصر مخربة واستقطاب بعض المجموعات والشخصيات المهادنة لمائدة التفاوض التى لم تنتج يوماً شيئاً مفيداً، إلى أن تتبخر طاقة المقاتلين الذين يعودون في نهاية المطاف لبيوتهم لأخذ استراحة المحارب والاستعداد لجولة جديدة .
ما سبق يوضح أن الأزمة ليست في العفوية وحدها أو في التنظيم وحده، بل في الإثنين معاً، وتحديداً في نوع العفوية ونوع التنظيم. فليست كل التنظيمات أو الأحزاب أو المجموعات ثورية بطبيعتها، بل أن أغلبها وأقواها هو في واقع الحال إصلاحي ومهادن، يرى في اندفاع الحركة الجماهيرية وسيلة جيدة وسهلة لكسر الجناح الأقوى في النظام ليس بهدف إحداث التغيير الذي تطمح إليه هذه الجماهير، وإنما بهدف الحلول محل هذا الجناح، وهو ما يضع هذا النوع من التنظيمات في مرحلة معينة في موقع معاد لحالة الانتفاض والثورة، والدعوة للهدوء حتى يستقر لها المقام، ويبدأ ذلك بترك التنظيمات والمجموعات الأضعف والأكثر راديكالية (رفاق الأمس) تناضل وحدها ضد النظام، وتحاول وحدها تعبئة الجماهير العفوية، ثم يتطور الأمر لمهاجمتها إعلامياً، وينتهي الأمر بمواجهتها بالقوة إذا تطلب الأمر، مثلما حدث مع مسيرة الثوار التى توجهت لمجلس الشعب يوم 31 يناير وفوجئت بشباب الإخوان يمنعون تقدمها ووصولها إلى المجلس . 
وليس الفارق بين الثوريين والمهادنين فى شرف أولئك وانتهازية هؤلاء، بل الأهم هو في قدرة هؤلاء الإصلاحيين المهادنين على حشد وتعبئة مئات الآلاف للنزول للشارع حين يتطلب الأمر ذلك. في حين لا يستطيع الثوريون فعل ذات الأمر إلا عندما تقرر "الجماهير الغفيرة العفوية" النزول لسبب أو لآخر. وفى هذه الحالة لا يكون للثوريين أى نوع من التأثير على حركتها، التى غالباً ما تنتهى بتقديم النظام لبعض التنازلات التى لا تغير واقع الحال البائس، ويظل هو محتفظاً بالسلطة وأدواتها .
لا يكمن حل هذه المعضلة في قيام الثوريين بحقن هذه الجماهير بأفكارهم الثورية المجردة، أو في حملات التوعية المبتذلة، التي ترى في سكون الشعب ورفضه الاستجابة لدعوات التظاهر والاعتصام نوعاً من أنواع الجهل الذى يحتاج إلى دورات لمحو أميته السياسية. كما لا يكمن الحل أيضاً فى الكفر بكل أنواع التنظيم ورفضها، وتمجيد المارد العفوى وحده دون غيره، فحقاً خرج هذا المارد مراراً دون أي توجيه، ووجه ضربات عنيفة لوحش السلطة الكاسر، إلا أنه لم ينتصر، فقط كما قلت في بداية المقال. لقد أفقد هذا الوحش إتزانه فقط.
إن الحل ببساطة يكمن في ضرورة أن ترتبط هذه المجموعات الثورية بكل النضالات الجزئية العفوية التي يخوضها العمال والطلاب وسكان الأحياء الفقيرة وغيرهم، حتى وإن لم ترق مطالب هذه القطاعات إلى سقف الثوريين السياسي المرتفع بطبيعته. ولنا في تجربة اللجان الشعبية خير دليل، عندما قررت الجماهير العفوية تشكيل لجان شعبية للتصدي لبلطجية النظام الذي أراد نشر الرعب في شوارع مصر في محاولة أخيرة لإنقاذ مبارك. وهي التجربة التى كشفت عن استعداد هذه الجماهير لاستبدال إحدى مؤسسات الدولة الهامة وهى مؤسسة الشرطة، بمؤسسة شعبية قائمة على التعاون بين الناس وتبادل الأفراد لدوريات الحراسة في الشوارع والميادين. إلا أن ذات اللجان الشعبية هي من كانت تقوم بالقبض على أي أجنبي أو أي ناشط سياسي لمجرد أنه يتمتع بمظهر لا يبدو مألوفاً لأبناء الأحياء الشعبية، والسبب في ذلك التناقض هو انعدام التواصل بين المجموعات الثورية والراديكالية وبين هؤلاء الناس، مما أدى إلى تفكك أغلب هذه اللجان بعد مرور العاصفة التي أطاحت بمبارك .
هذا التواصل الذي نتحدث عنه في هذا المقام يجب أن يبنى من خلال كل الوسائل الممكنة، بداية من الصحافة الشعبية التي يجب أن يرى فيها الناس تدويناً لواقع حياتهم اليومية، وتعبيراً عن أحلامهم، مروراً بالارتباط بنضالهم من أجل تحقيق مطالبهم البسيطة، ومشاركتهم الفنون التى يفضلونها والتى يعتبرها بعضنا إسفافاً، وغيرها الكثير والكثير من الطرق . هذا التفاعل فقط هو ما يمكن أن يجعل هذه الملايين الشعبية تلتف حول هؤلاء الثوريين الحالمين بعالم جديد، ليطلقوا معاً طاقة الثورة التي تستطيع أن تكنس هذا العفن القديم .
 http://www.jadaliyya.com/pages/index/4888/%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%85%D8%B5%D8%B1_%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%81%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85

Egypt's revolution between spontaneity and organization


 by : Ahmed Ezzat
Published on Thu 19 Apr 2012
 http://www.egyptindependent.com/node/734471

Some may argue that former President Hosni Mubarak was ousted as result of the rather spontaneous mass protests that were driven by the poor living standards and various social difficulties suffered by Egyptians, which led to violent confrontations with police forces, causing the ruling regime to lose its balance, thus forcing it to sacrifice Mubarak.
This analysis does not give any credit to the question of organization, whether in the form of political parties, movements or other civil society actors. In fact, sometimes this narrative of spontaneity disregards such organizations as being a disabling force against the revolutionary process and an obstacle for the spontaneity of the masses, which can singlehandedly bring down the regime.
On the other hand, others consider the decade-old struggle waged by some bloggers and pro-democracy political groups, organizations and fronts against Mubarak’s regime as the driving force behind the ousting of the regime’s head, as it led to increased awareness of the need for change.
These two narratives are each often adopted by two opposing viewpoints; one side viewing organized political forces and groups as opportunistic entities seeking only to achieve their own interests, and the other viewing the impulsiveness and spontaneity of these masses as a danger that could threaten chaos if not controlled according to clear political goals. The truth is that these two narratives, if presented independently, would suffer many shortcomings.
The transformation of the masses from a state of passivity to the point of rebellion is not a matter of fate, but a product of complex developments that include the role played by civil society organizations. When the message relayed by some of these forces converged with the dreams and aspirations of the masses or sectors of society, this revolutionary transformation took place.
Additionally, the masses are not a homogenous entity. The masses can be divided into a number of classes, and the interests of these classes are not necessarily identical. Furthermore, within each class there are different and often conflicting groups of people who have varying willingness to revolt against the regime and face its oppressive apparatuses.
For example, in 2010, a wave of labor strikes erupted. The protesters’ demands were economic in nature, particularly opposing the free market policies that disempowered millions of workers. Nonetheless, these same workers did not necessarily participate with the same force and organization in the January 2011 mass protests that ousted Mubarak, nor did they participate in all of the sit-ins that followed. This does not mean the workers were against the revolution, or that the revolution and its slogans did not represent their demands and aspirations, as much as it means that the connection and interaction between workers and other political groups (or youth groups) that launched the 25 January call for protest was weak.
The same applies to the political forces that participated in the beginning of the revolution. All political forces, from the most revolutionary to the most conservative, participated in the revolution’s decisive battles, such as 28 January (the Friday of Anger) and 2 February (the Battle of the Camel). This unity quickly faltered until we reached the day when shoes were being raised in the face of Muslim Brotherhood’s stage in Tahrir Square on the revolution’s anniversary to protest the Brotherhood’s choice to concede with the Supreme Council of the Armed Forces and its attempts to turn the day into a day of celebration rather than one demonstrating the persistence of the revolution.
Some of the most compelling evidence to support the lack of harmony between organization and spontaneity are the sit-ins that followed Mubarak’s ouster. For instance, the 8 July sit-in began with a protest to demand immediate trials for the martyrs’ killers and maintained its momentum for several weeks. However, led by frustration and exhaustion, more and more protesters began leaving Tahrir Square each day, then a number of movements withdrew while others decided to continue on until the sit-in was dispersed by force. During the sit-in, neither the radical nor reformist movements succeeded in expanding or reinforcing the sit-in in a manner that would lead to the achievement of any real demands. On the contrary, these movements, especially those that remained until the very end, got so caught up in the day-to-day details of how to combat security informants, secure the sit-in and provide for the protesters’ daily needs that they failed to transform the sit-in into a salient force against the military’s dictatorship.
From all this we can see that the problem lies in the inability of the organized groups to work together and build on the masses’ spontaneity.
Not all organizations, parties and movements are revolutionary in nature — in fact the majority and the most powerful are reformist and conciliatory, and they view the impulsiveness of the masses as a means to break the regime, not with the intention of bringing about the change these masses aspire for, but with the intention of coming to power.
The ability of these appeasing reformers to mobilize hundreds of thousands of people to take to the streets when necessary stands in contrast to the revolutionaries’ inability to mobilize in a similar manner. The latter depend on spontaneity rather than organized mobilization.
The solution to this dilemma is not in injecting these masses with abstract revolutionary ideas, or in vulgar awareness campaigns that view the people’s silence and refusal to respond to calls for protests and sit-ins as a kind of ignorance that requires political illiteracy courses, nor does it lie in the refusal of all forms of organization and the glorification of none other than the spontaneous dragon. For although this dragon has repeatedly gone out unguided, and threw a number of violent blows to the monstrous ruling regime, it has failed to fully triumph over the junta and, as I mentioned at the beginning of this article, only caused the monster to somewhat lose its balance.
The solution simply lies in the need for these revolutionary groups to join all the spontaneous, incomplete battles being fought by the workers, students, slum dwellers and so on, even if their demands do not live up to the revolutionaries’ great expectations.
This link between the masses and the revolutionary groups must be built through all possible means of communication, including popular press, which must be seen by the people as an articulation of the reality of their daily lives and an expression of their dreams. This interaction is the only way to make these millions of people rally around these revolutionaries to get rid of the decaying regime.
Ahmed Ezzat is a member of the Revolutionary Socialists group and a lawyer at the Foundation for Freedom of Thought and Expression.