Tuesday, January 24, 2012

أغنية الثورة وألحان الثورة المضادة--التحرير ليلة 25 يناير 2012


اكتب هذه التدوينة تحت سماء ميدان التحرير التى تنهمر منها الأمطار بغزارة ليلة الخامس والعشرين من يناير عام 2012 ، حيث يتوافد الثوار من كل حدب وصوب على الميدان، الذى ترفرف على جوانبه لافتات تدعو لاستكمال الثورة واسقاط حكم العسكر ، ومحاكمة أعضاء المجلس العسكرى ، الذى يرون أنه ارتكب فى حق المصريين جرائم لم يرتكبها فى حقهم مبارك خلال سنوات حكمه الثلاثين ، تنطق حناجرهم بهتافات تملأها الحرقة على من سقطوا منهم شهداء فى معارك الثورة العديدة ، تتساقط عليهم الأمطار بشدة فى ساحة الميدان الفسيح الا أنهم يأبون أن يتركوا أماكنهم تحت المنصات الفقيرة والمتهالكة التى يعلوها ثوار آخرون يقودون الهتاف .
على الجانب الآخر من المشهد تجرى عملية بناء منصة تبدو من ملامحها الأولى أنها منصة فارهة وكبيرة ، ويحميها المئات من أعضاء جماعة الاخوان المسلمين الذين تنهمر عليهم الأمطار أيضاً، الا أن ملابسهم المبللة ليست أهم ما يميزهم ، بل يميزهم " الصمت " ..نعم الصمت، فهم لا يهتفون مثلما يهتف شركائهم فى الميدان ضد الطغيان والظلم ، ولا تستطيع أن تلمس الحرقة بداخلهم مثلما يهز وقعها وجدانك اذا نظرت فقط فى أعين أحد من الجمهور الثائر. فقط يلتف أعضاء الجماعة حول المنصة الجارى بنائها ، وكأن هناك متربصون بهذه المنصة سوف يمنعون بنائها ، يحدث ذلك ،وتستطيع أن تلمس عداءً غير خافياً تتبادله نظرات الفريقين، وكأن شركاء الأمس الذين قاتلوا سوياً فى 28 يناير وموقعة الجمل قد صبت عليهم لعنة الفراق الى حيث أختار ذوى المنصات الفقيرة أن يستكملوا كفاحهم من أجل الحرية والى حيث اختار حماة المنصة الفارهة الاكتفاء بقدر ما من المكاسب واعتبارها كافية بالنسبة لمشروعهم السياسى الذى يتبنونه ، كلا الفريقين أتى للتحرير وكلاهما تبللت ملابسه ، الا أن فريقاً منهما أتى الى الميدان فرادى ، دون أية تكليفات أو تعليمات من جماعة أو من حزب ، هو فقط على موعد مع تاريخ 25 يناير 2012 ، وقد أتى هذا الموعد الذى يعتبره يوماً لاستكمال الثورة وانهاء حكم العسكر ، لا ينتظر أن يملى عليه أحد تكليفاً هنا ، أو تعليمةً هناك ، فهو يعرف مكانه جيداً ، تحت المنصة المتهالكة ذات مكبرات الصوت المهترئة التى تشبه مكبرات الأصوات التى تستخدم فى أفراح الأحياء الشعبية " المهرجانات " . فى حين أن الفريق الاخر المنتظم فى صفوف دقيقة " غير عفوية " لا يقدر أحد أفراده على كسر القاعدة ، والهتاف مع الهاتفين ، فذلك يعنى على الفور عقاباً تنظيمياً ، وتوبيخاً قد يصل الى وصف العضو الشارد بالانحراف كما حدث مع شباب الاخوان الذين استقالوا بعد قيام الثورة .
التناقض بالنسبة لى ليس فى كون الفريق الأول عبارة عن جمهور عفوى لا تحكمه أية أطر تنظيمية ، أو فى كون الفريق الثانى جمهور منظم وملتزم بقواعد معينة ، انما يبدو التناقض فى أن الفريق الثانى ليس الفريق الوحيد المنظم ، فمن هذه الناحية هناك عشرات المجموعات المنظمة ، ومنها ما هو متشدد فى قواعده واطره ومدى انضباط أعضاءه والتزامهم ، الا أن هذه المجموعات الأخيرة تتهافت عندما يصادفها جمهوراً عفوياً يهتف ضد النظام ويطالب بالتغيير ، بل أن منها من قضى عقوداً ينشد أنشودة الجماهير ، التى ظلت هى الأخرى عقوداً دون استجابة ، حتى أتت لحظات فقد فيها البعض الأمل فى امكانية حدوث ثورة شعبية ، وآمن البعض بنظريات مثل " نهاية العالم " وانتهاء عصر الثورات " ، اليوم وبعد أن أثبتت الجماهير خطأ هذه النظريات ، نجد أن التنظيم الأكبر فى مصر " الاخوان المسلمون " قد تحول من مجرد تنظيم سياسي اصلاحى الى اداة للسيطرة على أعضاءه ، وادماجهم مع رؤية تكتفى بالتسوية الودية مع النظام الحاكم ، وهذه مجرد مرحلة من مراحل تعامل الاصلاحيين مع الثوار بالوقوف تحت الامطار وتحمل بلل الملابس فى هذا الشتاء القارس لكن دون مشاركة ثوار العفوية هتافهم . قد تأتى مرحلة أخرى يتدخل فيها الفريق المطيع لتعليمات قادته لمنع هتافات هؤلاء العفويين الذين لا يفعلون الا ما تمليه عليهم ضمائرهم ، نعم قد يحدث هذا على الرغم من اشتراك الفريقين فى مواجهة الأمن المركزى فى 28 يناير وفى موقعة الجمل فى 2 فبراير ، وفى تلقى الرصاص بصدور عارية ووجوه فرحة ، كلاهما غنى أغنية الثورة ، وملأ أنفاسه من عبقها ، الا أن فريقاً ظل يغنيها على ألحان الثورة ، وفريقاً آخر ظل يغنيها أيضاً لكن على ألحان الثورة المضادة 

No comments: